خُلق الإنسان محتاجًا، والله هو الصمد. وللجسد غذاء، وللقلب والروح غذاء. والمشكلة لا تبدأ بمجرد وجود الفراغ، بل تبدأ حين نحاول أن نملأ هذا الفراغ بما لم يُخلق لإشباعه.
فالشيطان يسعى إلى أن يسبق الوحي إلى القلب، وأن يملأ المساحات الخالية باللهو والشهوة والتجربة، ثم يفتح الباب بعد الباب حتى تتحول التجربة إلى عادة، والعادة إلى تعلق، والتعلق إلى أسر.
إن لم تملأ قلبك ووقتك بالحق، سيأتي من يملأهما لك بالباطل.
الإنسان مخلوق محتاج
بدأت الخطبة بمشهد سابق لحياة الإنسان على الأرض. فحين خلق الله آدم عليه السلام، جعل إبليس يطوف به وينظر إليه.
رواه مسلم
الإنسان يجوع، ويعطش، ويشتهي، ويحب، ويخاف، ويحزن، ويشعر بالوحدة، ويبحث عما يشغله وعما يملأ قلبه ووقته.
ولكن الله عرّفنا بنفسه فقال:
فأنت محتاج، وهو الغني. وأنت تفتقر، وهو سبحانه لا يفتقر إلى أحد.
للإنسان حاجتان: حاجة الجسد وحاجة الروح
حاجة الجسد
الجسد يجوع ويعطش، والشهوة تطلب الإشباع. وقد خلق الله لهذه الحاجات ما يشبعها، ووضع لها حدود الحلال والحرام.
حاجة الروح والقلب
كما يجوع الجسد، تجوع الروح. وكما يعطش الجسد، يعطش القلب. وغذاء القلب هو الوحي، والقرآن، والصلاة، والذكر، والتوحيد، والسنة، والعلم.
أشار القرآن إلى أن الوحي نفسه سمّاه الله روحًا:
وحين تجوع الروح ولا نعطيها غذاءها، يبدأ الإنسان في البحث عن بدائل. يشعر بالفراغ فيأخذ الهاتف. يشعر بالوحدة فيبحث عن علاقة. يشعر بالقلق فيهرب إلى ما يسكّنه. يشعر بالملل فيبحث عن اللهو.
ولكن الدنيا قد تلهي القلب، ولا تستطيع أن تغذيه.
الاستراتيجية القديمة: املأ المساحة باللغو
هذه ليست مشكلة صنعتها الهواتف أو وسائل التواصل وحدها. الفكرة أقدم من ذلك بكثير.
لم يكن المطلوب فقط أن يرفض الناس القرآن، بل أن تُملأ المساحة بين القرآن وبين القلب بالضجيج.
الوسائل تتغير، لكن الفكرة لا تتغير. بالأمس كان اللغو صوتًا يمنع سماع القرآن. واليوم قد يكون:
- شاشة لا تُغلق.
- مقطعًا بعد مقطع.
- صورة بعد صورة.
- لعبة بعد لعبة.
- ساعات طويلة من التشتت.
وليس كل ترفيه حرامًا. فالإسلام لا يمنع الراحة، ولا الرياضة، ولا الترويح المباح، ولا الوقت مع الأسرة.
الشيطان لا يقول لك في البداية: كن مدمنًا
من أعظم ما جاء في الخطبة المثل النبوي عن الصراط المستقيم، والأبواب التي على جانبيه. فإذا أراد العبد أن يفتح بابًا، ناداه واعظ الله:
الشيطان لا يبدأ عادة بالنهاية المدمرة. لا يقول للإنسان: دمر دراستك. دمر زواجك. اترك الصلاة. أصبح أسيرًا لهذه العادة.
بل يبدأ غالبًا بكلمة صغيرة:
مرة واحدة. تجربة واحدة. رابط واحد. نظرة واحدة. رهان واحد. رسالة واحدة.
ثم قد يستيقظ الإنسان بعد سنوات ويسأل: كيف وصلت إلى هنا؟
الفراغ نعمة
رواه البخاري
الفراغ نعمة، لكنه نعمة يمكن أن يخسرها الإنسان إذا لم يعرف قيمتها.
ولهذا لا ينبغي أن يقول المؤمن: أريد أن أقتل الوقت.
الوقت هو عمرك. كل ساعة تمر هي جزء من حياتك لن يعود مرة أخرى.
فكل مساحة فارغة في يومك تطرح عليك سؤالًا:
- من سيملؤها؟
- القرآن أم الخوارزمية؟
- الذكر أم اللهو؟
- الصحبة الصالحة أم صحبة السوء؟
- عمل نافع أم تشتت لا ينتهي؟
العلاج القرآني: إذا فرغت فلا تصبح فارغًا
هنا يأتي العلاج القرآني الواضح: إذا فرغت، فلا تصبح فارغًا.
إذا انتهيت من عمل، ابدأ خيرًا آخر. إذا انتهيت من دراستك، فصلِّ. إذا انتهيت من مسؤوليتك، فاقرأ. اجلس مع أهلك. اذكر الله. تعلّم. تحرك. مارس الرياضة. صل رحمًا. اخدم مسلمًا. استرح بما أباح الله.
لا يكفي أن تخرج الحرام: املأ مكانه بالحق
كانت هذه من أهم رسائل الخطبة الثانية. فالإنسان الذي يتوب من عادة كانت تأخذ منه ساعات كل يوم لا يحتاج فقط إلى كلمة: توقف.
بل يحتاج إلى جواب عن سؤال آخر: بماذا سأملأ هذه الساعات الآن؟
- بالصلاة.
- بالقرآن.
- بالرياضة.
- بالأسرة.
- بالعمل.
- بالعلم.
- بالصحبة الصالحة.
- بخدمة الناس.
- بمشروع نافع.
املأ قلبك بالتوحيد. املأ حياتك بالسنة. املأ لسانك بالذكر. املأ عينك بالحلال. املأ وقتك بالنافع.
رسالة للآباء والأمهات
لا يكفي أن تقول لولدك: لا تلعب. لا تشاهد. لا تخرج. لا تصاحب فلانًا. ثم تترك أمامه فراغًا هائلًا.
أعطه البديل: المسجد. الرياضة. الصحبة الصالحة. المشروع. المهارة. المسؤولية. الوقت مع الأب والأم. العمل التطوعي. تعلم القرآن.
فتّش عن المساحات الفارغة في حياتك
اسأل نفسك بصدق: أين أضعف وقت في يومي؟
- بعد العشاء؟
- عندما أكون وحدي؟
- في نهاية الأسبوع؟
- في منتصف الليل والهاتف في يدي؟
- عندما أحزن؟
- عندما أغضب؟
- عندما أشعر بالوحدة؟
وإن كنت قد فتحت الباب بالفعل؟
إن أصبحت التجربة عادة، والعادة تعلقًا، أو وصل الأمر إلى إدمان، فلا تيأس.
باب الشيطان ليس أقوى من باب التوبة.
اطلب المساعدة. اكسر السرية. غيّر البيئة. أبعد الوسيلة. استعن بأهل العلم وأهل الاختصاص فيما يحتاج إلى علاج. وابنِ مكان العادة القديمة عادة جديدة.
عُد إلى الصمد
تعود الخطبة في نهايتها إلى النقطة التي بدأت منها.
أنت تحتاج. تجوع. تعطش. تشتهي. تحزن. تخاف. تمل. وتأتي عليك ساعات تشعر فيها بالفراغ.
لكن ربك قال:
حين تشعر بالفراغ: الله الصمد.
حين تشعر بالوحدة: الله الصمد.
حين تضيق بك نفسك: الله الصمد.
حين تجذبك الشهوة: الله الصمد.
ليس كل ما يملأ وقتك يملأ قلبك. قد يكون يومك ممتلئًا وقلبك فارغًا. قد تكون أمام الشاشة ساعات وتظل فارغًا. قد تتحدث مع مئات الناس وتشعر بالوحشة.
خطة عملية لحماية المساحات الفارغة
اكتشف فراغك
اعرف متى تضعف: بعد منتصف الليل؟ في الوحدة؟ عند الحزن؟ في نهاية الأسبوع؟ اعرف الباب قبل أن يُفتح.
أغلق الباب
إن كان التطبيق بابًا، فاحذفه. إن كانت الصحبة بابًا، فابتعد. إن كان الهاتف في غرفة النوم بابًا، فأخرجه.
ضع البديل
لا تنزع المعصية ثم تترك مكانها فارغًا. ضع بدلها مسجدًا، وقرآنًا، ورياضة، وعلمًا، ومشروعًا، وصحبة صالحة.
لا تحارب الإدمان وحدك
إذا وصلت المسألة إلى إدمان حقيقي، فلا تجعل الحياء يمنعك من العلاج. التوبة لا تتعارض مع الاستعانة بالمختصين.
عُد إلى الصمد
هذه هي البداية وهذه هي النهاية. حين تشعر بالفراغ، ارفع حاجتك إلى الله واطلب منه أن يملأ قلبك به.
املأ قلبك قبل أن يملأه غيرك
إن لم تملأ قلبك بالتوحيد، جاءت الشبهات تبحث عن مكان فيه.
وإن لم تملأ حياتك بالسنة، وجدت البدعة مساحة.
وإن لم تملأ لسانك بالذكر، ملأه اللغو والغيبة.
وإن لم تملأ عقلك بالعلم النافع، ملأته الشبهات والتفاهات.
وإن لم تملأ وقتك بالنافع، جاء من يبيعه لك في صورة لهو لا ينتهي.
التوحيد يملأ القلب بالله. والسنة تملأ الحياة بالاقتداء برسول الله ﷺ. والقرآن غذاء الروح. والذكر حياة القلب.
إن لم تملأ المساحة بالحق، جاء من يملؤها لك بالباطل.
اللهم املأ قلوبنا بالإيمان، وألسنتنا بذكرك، وأوقاتنا بطاعتك.
اللهم احفظ شباب المسلمين وبناتهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم من ابتلي منهم بمعصية أو عادة أو إدمان، فأعنه على التوبة، وارزقه صحبة صالحة، وعلاجًا نافعًا، وقلبًا متعلقًا بك.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا.
